إشارتي هويتي
داليه عطيه عطا الله الطويرقي
ماجستير التربية في الإعاقة السمعية
وكيلة معهد النور للبنات ببريدة
تشهد الساحة التربوية في المملكة العربية السعودية تطوراً ملموساً في كافة الأصعدة، وفي رعاية ذوي الإعاقة وتدريبهم وتعليمهم وتأهيلهم بشكل خاص، ولعل البدايات كانت منذ بدء اهتمام الدولة السعودية بعد توحيدها في عصورها الأولى في تعليم الأشخاص من ذوي الإعاقة في بدايات خمسينيات القرن الماضي وفق جهود ذاتية وفردية يقوم بها الأشخاص بدافع خيري، تبع ذلك ميلاد أول معهد لتربية المكفوفين، كان يمثل مدير ذلك المعهد مدير التربية الخاصة في نظام التعليم السعودي الناشئ حينها، إلى أن تم تأسيس أول إدارة لتعليم التربية الخاصة في أوائل الستينيات من القرن الماضي وتحديداً عام 1962م، ضمت تلك الإدارة إدارة مستقلة لتعليم الصم.
وقد جعلت المملكة العربية السعودية رعاية ذوي الإعاقة في المجتمع أساساً في دستورها الذي ينطلق من أحكام الشريعة الإسلامية، حيث جاء في المادة (26) من النظام الأساسي للحكم 1412هـ / 1992م عبارة “أن تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية”، وفي المادة (27) من نفس النظام عبارة “تكفل الدولة حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ، والمرض، والعجز، والشيخوخة، وتدعم نظام الضمان الاجتماعي، وتشجع المؤسسات والأفراد على الإسهام في الأعمال الخيرية”، وبناءً على هذا فإن حكومة المملكة المتحدة المذكورة من خلال دستورها تقوم بتعزيز ضمان حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وتثبت قدراً من المساواة لهذه الفئة مع باقي مواطنين الدولة.
واليوم، وقد أخذ تعليم التربية الخاصة ينمو ويتطور بشكل سريع، تنوعت هذه البرامج وتشكلت لتشمل فئات كثيرة ولعل من أبرز تلك الفئات ذوي الإعاقة السمعية (فئة الصم)، ويرجع تفرد هذه الفئة من ذوي الإعاقة كونها تملك لغة خاصة بها ، وهي لغة يدوية وليست صوتية، وتتضمن رموز يدوية يرافقها تعبيرات للوجه وحركات الشفاه ليصل المعنى بشكل مفهوم وهو ما يطلق عليه أهل الاختصاص (التواصل الكلي).
وتتضمن لغة الإشارة إشارات وصفية يستخدمها أغلب الأشخاص العاديين، وتهجئة الأصابع التي تستخدم في الحروف الهجائية العربية والإنجليزية وكذلك الرموز والأرقام. وبالتالي فهي لغة ليست حصراً على الصم، وفي الأصل فإن الأشخاص العاديين كذلك لا يستغنون عن الإشارة بصفة عامة أثناء الحديث وفي الاجتماعات وإلقاء الدورات والندوات كإيماءات الوجه وتعابيره، وما يمكن قوله في هذا الشأن أنها لغة عالمية التطبيق شأنها شأن اللغات الصوتية الأخرى (العربية – الإنجليزية – الفرنسية – الإلمانية – البرتغالية) وغيرها من اللغات.
وإضافة لما سبق فإن لغة الإشارة كأي لغة في العالم قد تختلف من دولة إلى دولة، ومن منطقة إلى منطقة، بل تختلف لغة الإشارة لدى الطفل في بيئته المنزلية ( مرحلة ما قبل المدرسة) عن لغة الإشارة التي يتم التواصل بها عند التحاقه بالمدرسة، وبالرغم من وجود قاموس عربي موحد للغة الإشارة فإن مما لمسته وشاهدته من واقع خبرتي وتواجدي بين الأفراد الصم، أن هناك إبداعاً خاصاً بإشارات خاصة يقوم الأفراد الصم باختراعها وابتكارها فيما بينهم، فلذلك أقول أن هذه اللغة هي بيئة خصبة وناضجة للتعلم.
وتبرز الأدوار التي تبذلها وزارة التعليم في تشجيع لغة الإشارة للصم من خلال إعارتها لمترجمي لغة الإشارة إلى وزارة الثقافة والإعلام في بدايات توجه الدولة نحو نشر ثقافة اللغة عبر برامجها وقنواتها التلفزيونية والإذاعية الرسمية في مطلع الألفية الجديدة، ولعل استحداث وظيفة ( مترجم لغة الإشارة للصم) لهو خير دليل على الدور الريادي لوزارة التعليم في خدمة هذه الفئة الغالية على قلوبنا شأنها شأن الفئات الأخرى من ذوي الاحتياجات الخاصة. حيث تقدمت الوزارة بهذا المقترح إلى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية (وزارة الخدمة المدنية سابقاً)، وهي التي بدورها أصدرت موافقتها لإيجاد سلسلة فئات وظائف مترجمي لغة الإشارة وفق مراتب الخدمة المدنية.
وتأكيداً على الدور الريادي الذي تبذله المملكة العربية السعودية في خدمة هذه الفئة الغالية، فإن الاهتمام لا زال ينمو ويتوالى حتى أقرت لخدمة هذه اللغة العديد من البرامج المضمنة في رؤية المملكة 2030 ، ولعلي أذكر انطلاقة تلك المبادرات عبر لقاء صاحب السمو الملكي ولي العهد سمو سيدي الأمير محمد بن سلمان ضمن لقاءه التلفزيوني على قناة السعودية الأولى في أول أيام عام 2015، والتي صاحبها ترجمة كاملة للقاء، ولعلها ضربة البداية لخدمة هذه الفئة الغالية على كافة الأصعدة ومن بينها التواصل من خلال قنوات وأوعية التواصل لإدماج الصم في المجتمع، ومن حينها تبث ترجمة لغة الإشارة للصم مع نشرات الأخبار يومياً من أجل تمكين الصم لمواكبة الأحداث ومتابعة كل ما سيبث عن القنوات السعودية، وتبع ذلك العديد من المبادرات النوعية لخدمة هذه اللغة في كافة مجالات وقطاعات الدولة لتشمل من بعد التعليم، الصحة، والعدل، ووزارة العمل، وغيرها لتتحول بذلك كهوية تنظيمية ضمن الهويات التنظيمية للعديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية المختلفة.
ومن أجل ذلك يمكن القول أن من يتقن مهارات لغة الإشارة من الأشخاص العاديين، وتكون لديه القدرة على ترجمة الإشارات إلى معاني وألفاظ وجمل وتعابير ومشاعر مفهومة، فهو شأنه شأن من يحمل لغة ثانية غير لغته الأم، بل أنها مشاركة مجتمعية تحمل إعادة لتعريف حقوق الصم، وتحديداً إدماجهم في المجتمع السعودي، خاصة إذا ما علمنا أن عدد الصم يقارب 700 ألف أصم في المملكة العربية السعودية، وهو رقم كبير قد يصل إلى أن يكون عدد سكان دولة ما ، ولعل هذا الرقم الذي استطاعت هيئة الإحصاء الوصول له، بالرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة بالعدد الفعلي الذي قد يزيد خاصة مع إحجام بعض الأسر عن المشاركة وعزل أفرادها من فئة الصم خجلاً وخوفاً من ردة الفعل، وبالتالي فإن دمجهم مع المجتمع بكافة قطاعاته وأطيافه من الحقوق الواجبة كما جرت العادة في نظام الحكم السعودي، وفي أنظمته المدنية، وفي سياساته التعليمية، بل هو واجب وطني على كل مسؤول إدراكه والمشاركة فيه ما أمكنه ذلك.
ولذلك أقترح على مؤسسات التعليم العالي الحكومية والأهلية من واقع أدوارهم ووظائفهم الثلاث (التدريس – البحث- خدمة المجتمع) ضرورة التوسع في إعداد البرامج الأكاديمية والمهنية في ضوء مفاهيم لغة الإشارة للصم وتدريسها للأشخاص العاديين والصم على حد سواء باعتبارها لغة عالمية التطبيق، وكذلك تبنيها لمراكز وقنوات الشراكة مع المجتمع ومؤسساته من خلال البرامج المهنية والدورات التدريبية لمهارات لغة الإشارة للصم، والعمل على تزويد أفراد المجتمع ممن لديهم اهتمام وتواصل بشكل مباشر أو غير مباشر بالأفراد الصم بمهارات لغة الإشارة، وكذلك التوسع في أوعية البحث العلمي لتشمل زوايا جديدة ومختلفة حول ماهية لغة الإشارة وفقاً لخصائص كل مرحلة عمرية، وكل بيئة ومنطقة جغرافية، وكيفية تعليمها وتعلمها.
كما يقع على عاتق مؤسسات القطاع الخاص أدور حقيقية في إدماج الصم، عبر تعلم موظفي الخطوط الأمامية فيها لأساسيات هذه اللغة، والاستعانة بتوظيف مترجم لغة الإشارة من الصم والعاديين، فتتحقق المشاركة المجتمعية في أوج قيمها، ويشارك المجتمع تلك اللغة كهوية ثقافية خاصة، وأني من هذا المقال أدعو لتعلم هذه اللغة اليدوية ما أمكن وقدر الاستطاعة، فهي اللغة التي ما زالت تحمل في شعارها يداً مرحبة لكل أفراد المجتمع، فهلا نبادلهم هذا الترحيب، ونشاركهم الهوية واللغة !!
8 أفكار عن “إشــــارتي-هـــويتي”
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ماشاء الله تبارك الله
هنيئاً لنا بهذا الفكر وهذا التوجه الجميل في العناية بهذه الفئة الغالية والإشادة بالجهود المبذولة من حكومة المملكة العربية السعودية في مساندتهم وتهيئة المجالات المتعددة نعم نمد يد التفائل والتعاون والترحيب بهم ونسعى لإيجاد مجتمع مثالي يقدر ويقدم الدعم لرعايتهم ووضعهم في الصف الأول ….
أسأل الله لك التوفيق أستاذه داليا علي هذه اللفته القوية وهذا البحث الجاد في مجال لغة الإشارة الذي يعد نافذه لأصحاب الهمم
وادعوا الله لك مزيد من التقدم والتوفيق والسداد في عملك وان ينفع بك العبآد والبلاد وجزاك الله خير
شكرًا لكِ على هذا الإطراء الذي أعتز به، وعلى رؤيتك الواعـية تجاه هذه الفئة الغالية التي تستحق منّا كل جهد واهتمام. وما نقوم به جميعًا ما هو إلا انعكاس لتوجيهات دولتنا المباركة وحرصها الدائم على تمكين كل فرد ومنحه حقه في الوصول والفرص.
اضم صوتي لصوتك ا/ دالية وعلى الجميع القيام بدوره الحقيقي تجاه فئة الصم خاصة والفئات الاخرى عامة
ومت تجربتي الخاصة مع اطفال ومعلمات التربية الخاصة اجد في تعلم لغة الاشارة متعة بالاضافة الى كونها لغة تواصل مع الصم لايصال التعليمات والمشاعر والتعليم وخلافه فمن هنا نهيب بالجميع ضرورة تعلمها واتقانها لان هذه الفئة تستحق فهم جزء لا يتجزأ منا
خالص الشكر والتقدير ا / دالية ونرجو لك مزيد التقدم
أشكرك من أعماق قلبي على مشاركتك الثمينة وإضافتك الثرية التي تعكس تجربة حقيقية وصدقًا في العمل مع هذه الفئة الغالية.
دمتِ سندًا وداعمة لهذه الفئة العزيزة، وشكرًا لك مرة أخرى على هذا الرد الراقي.
مبدعة ومتميزة دائمة دكتورة داليه
بارك الرحمن في علمك وعملك
اللهم آمين
شكرًا من القلب على لطفك يا دكتورة مروة، وعلى هذا اللقب الذي أسعدني وإن كنت ما زلت في طريقي وأسعى لأستحقه يومًا بإذن الله.
وأنا من يجب أن يشكرك، فأنتِ من الأشخاص اللذين تشرفت بالتعلم على يدهم، ومن الداعمات اللواتي كان لهن أثر كبير في مسيرتي.
ماشاءالله تبارك الله عليك
دكتورة داليا
صديقتي العزيزة،
لقد كنتِ مثالاً للإبداع والإلهام في كلمتك عن مجال تعليم ذوي الإعاقة . حديثك لامس القلوب، وعكس شغفك الحقيقي ورسالتك النبيلة في تمكين ذوي الهمم. نفتخر بك وبعطائك، وبقدرتك على أن تُحدِثي بصمتك الهادئة أثراً عميقاً لا يُنسى.
ماشاء الله تبارك الله نفع الله بعلمك وعملك استاذه داليا مبدعه كما عهدناك طموحة ذات همه عاليه ومثابره ومخلصه في عملك اتمنى لكِ المزيد والمزيد من التقدم في حياتك العمليه ومنها للأعلى يارب